صديق الحسيني القنوجي البخاري
593
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أي أنت ولا أحد منهم فيرى ما نزل بهم من العذاب فيشتغل بالنظر في ذلك ويتباطأ عن سرعة السير والبعد عن ديار الظالمين وقيل معنى لا يلتفت لا يتخلف وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ أي إلى الجهة التي أمركم اللّه سبحانه بالمضي إليها وهي جهة الشام وقيل مصر ، وقيل قرية من قرى لوط ، وقيل أرض الخليل عليه الصلاة والسلام وقيل الأردن ، وزعم بعضهم إن حيث هنا ظرف زمان مستدلا بقوله : بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ثم قال : وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ أي في ذلك الزمان ، وهو ضعيف ، ولو كان كما قال لكان التركيب وامضوا حيث أمرتم ، على أنه لو جاء التركيب هكذا لم يكن فيه دلالة وَقَضَيْنا إِلَيْهِ أي وأحينا إلى لوط عليه السلام ذلِكَ الْأَمْرَ هو إهلاك قومه ثم فسره بقوله : أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ الدابر هو الآخر ، أي أن آخر من يبقى منهم يهلك مُصْبِحِينَ أي حال كونهم داخلين في وقت الصبح ، ومثله فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا [ الأنعام : 45 ] وقدره الفراء وأبو عبيدة إذا كانوا مصبحين ، قال الكرخي : فإن كان تفسير معنى فصحيح ، وأما الاعراب فلا ضرورة تدعو إليه ، قال ابن عباس : يعني استئصال هلاكهم . ثم ذكر سبحانه ما كان من قوم لوط عند وصول الملائكة إلى قريتهم فقال : وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أي أهل مدينة قوم لوط وهي سذوم بسين مهملة فذال معجمة على وزن فعول ، وأخطأ من قال بمهملة مدينة من مدائن قوم لوط كما سبق وتقدم أن هذا المجيء قبل قول الملائكة فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ فما في سورة هود على الترتيب الواقعي ، وما هنا على خلافه ، والواو لا تفيد ترتيبا . قال الكرخي : ذكر القصة في هود بترتيب الوقوع ، وهنا أخر ذكر مجيئهم عن قول الرسل ، بل جئناك مع تقدمه ليستقل الأول بيان كيفية نصرة الصابرين ، والثاني بتساوي الأمم يَسْتَبْشِرُونَ أي مستبشرين بأضياف لوط طمعا في ارتكاب الفاحشة منهم ، والاستبشار إظهار الفرح والسرور . قالَ لهم لوط إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي وحد الضيف لأنه مصدر كما تقدم ، والمراد أضيافي ، وسماهم ضيفا لأنه رآهم على هيئة الأضياف ، وقومه رأوهم مردا حسان الوجوه في غاية الحسن ونهاية الجمال ، فلذلك طمعوا فيهم فَلا تَفْضَحُونِ يقال فضحه يفضحه فضيحة وفضحا إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بإظهاره . وفي المختار فضحه فافتضح ، أي كشف مساويه وبابه قطع ، والاسم الفضيحة والفضوح أيضا بضمتين ، والمعنى لا تفضحوني عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فيعلمون إني عاجز عن حماية من نزل بي ، أو لا تفضحوني بفضيحة ضيفي ، فإن من فعل ما يفضح الضيف فقد فعل ما يفضح المضيف .